
مقدمة: صراع بين القانون والواقع
تتصارع في الصحراء المصرية قضايا معقدة تتجاوز البحث عن الذهب، لتطال الأمن القومي، الاقتصاد المحلي، والعدالة الاجتماعية. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة جاهدة لحفظ سيادتها وثرواتها، والسيطرة على الأنشطة غير القانونية، يبرز ملف “الدهابة” كإشكالية تتطلب نظرة متعمقة تتجاوز الأحكام المسبقة.
حملة “درع الجنوب”: كشف الوجه الخفي
بعد تنفيذ حملة “درع الجنوب” العسكرية والأمنية، والتي استهدفت ضبط المتسللين الأفارقة والعناصر الخطرة، برزت قضية الدهابة – المنقبين العشوائيين عن الذهب في جبال البحر الأحمر – بشكل جلي. وقد صاحب الحملة زخم إعلامي عبر منصات التواصل الاجتماعي، شهد “شيطنة” واسعة للدهابة، وتصويرهم كخارجين عن القانون، على الرغم من أن بعض المتحدثين أنفسهم كانوا جزءًا من هذا النشاط، مستفيدين منه.
تداعيات الحملة: أزمة اقتصادية واجتماعية
أدت الحملة إلى وقف نشاط المنقبين، وهم الفئة الأقل عددًا في هذا القطاع، مما ترتب عليه:
- قطع إمداد الخامات: توقف تدفق المواد الخام اللازمة لاستخلاص الذهب.
- شلل اقتصادي: توقف آلاف الطواحين المائية وأحواض الاستخلاص، ومعها عمال التشغيل والحراسة والنقل الثقيل، بالإضافة إلى توقف تشغيل المعدات الثقيلة والإمداد بالمياه.
- بطالة جماعية: يقدر البعض عدد المتضررين بنحو مليوني شخص، فقدوا مصدر رزقهم الوحيد، وعادوا إلى البطالة أو أعمال لا تفي باحتياجات أسرهم الممتدة. وهؤلاء يمثلون غالبية العاملين في الظهير الصحراوي لوادي النيل.
اكتسب هؤلاء خبرات قيمة في استخلاص الذهب من الأحجار ذات النسب الضئيلة (جرام واحد لكل طن تقريبًا)، وهو عائد مجزٍ لهم نظرًا لرخص الأجور وتكاليف المعيشة المنخفضة في مناطق عملهم، بينما لا يعتبر مجزيًا للشركات الصناعية الكبرى.
تحديات التعدين الأهلي: مخاطر بيئية واقتصادية
يواجه التعدين الأهلي عدة محاذير رئيسية، منها:
- العمل دون ترخيص رسمي.
- تدمير البيئة بسبب التعدين السطحي.
- استخدام مواد خطرة مثل الزئبق والسيانيد، مما يهدد الصحة العامة والبيئة.
- إهدار جزء كبير من المعدن الثمين بسبب الطرق التقليدية غير الفعالة.
- عدم دمج النشاط في الاقتصاد الرسمي، مما يعني خسارة للدولة من الضرائب والرسوم.
- غياب المظلة التأمينية للعمال، مما يعرضهم لمخاطر العمل دون حماية.
- انضمام بعض الخارجين عن القانون والعناصر الخطرة إلى هذا النشاط.
التجارب العالمية: تقنين التعدين الأهلي
وفقًا لتقارير مجلس الذهب العالمي، يسهم التعدين الأهلي بنحو 20% من الإنتاج العالمي للذهب (حوالي 700 طن سنويًا)، ويوفر فرص عمل لـ 20 مليون عامل بشكل مباشر، وعشرات الملايين بشكل غير مباشر. وقد قامت العديد من الدول بتقنين هذا النشاط، مثل الولايات المتحدة (بموجب قانون عام 1872)، وتنزانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، وسيراليون، وليبيريا، وإثيوبيا، وجنوب أفريقيا، والفلبين، وبيرو، وكولومبيا، والإكوادور، ومنغوليا.
المعادلة المصرية: البحث عن حلول
تتمثل المعادلة في مصر في طرفين متناقضين:
- الدولة: تسعى لحفظ ثرواتها وأمنها ومكافحة الأنشطة غير المشروعة.
- الدهابة: فئة ذات إمكانات محدودة، شكلت أمرًا واقعًا بأعداد كبيرة، ساعد في ظهورها نقص فرص العمل وتأخر ضبط النشاط من قبل الجهات الإدارية.
إن وقف عملهم ينذر بكارثة اجتماعية وأمنية محتملة، وهو ما يتطلب معالجة سريعة وجذرية.
غياب الصوت: تحدي كبير
من أكبر المشاكل التي يواجهها الدهابة حاليًا هو غياب صوت يعبر عنهم ويوصل معاناتهم وتطلعاتهم، حيث أن غالبية محاولاتهم للتعبير لا تجد صدى على منصات التواصل الاجتماعي أو في المجالس العامة.
نحو حل مستدام: التقنين كضرورة
لإخراج الدهابة من دائرة “الشيطنة” وضمان استغلال خبراتهم وتوفير مصدر رزقهم، يتطلب الأمر:
- التقنين المبسط: وضع إجراءات مبسطة تتناسب مع قدراتهم.
- ضمانات أمنية: منع تسلل الخارجين عن القانون.
- مساحات عمل محددة: إتاحة العمل في مساحات صغيرة وبتكلفة تتناسب مع بسطاء النشاط، وهو ما لا تحققه شروط هيئة الثروة المعدنية في طرحها الأخير الصعب.
- الدمج في الاقتصاد الرسمي: مع الالتزام بالمعايير العلمية والبيئية.
- ضمان إتاوة للدولة: بدلاً من “البلطجية” وواضعي اليد.
إن هذه الإجراءات ستحولهم من عبء على مظلات الدعم والحماية الاجتماعية إلى فئة منتجة تساهم في الاقتصاد الوطني.
